gocorporation
download
كتاب التوحيد - 36
307
عناصر المادة:

الطالب: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: ٦٠ - ٦٢].وقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة: ١١]، وقوله: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦]، وقوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: (باب قوله الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ) إلى آخره.هذا الباب له صلة بما قبله، صلة قوية؛ لأنه فيه الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله، والأول الذي قبله فيه بيان حكم من أطاع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، وانظر إلى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَأَلَمْ تَرَهذا الاستفهام المراد به التقرير والتعجب من حالهم؛ تقرير ما هم عليه، والتعجب من هذه الحال.أَلَمْ تَرَوالخطاب في قوله: تَرَيعود إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وهنا الخطاب يتعيَّن أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواما قال إلى الذين آمنوا؛ لأنهم ما آمنوا لكنهم يزعمون ذلك وهم كاذبون، يزعمون ذلك وهم كاذبون.وقوله: إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَوهو الكتاب والحكمة، كما قال الله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣]، وَالْحِكْمَةَقال المفسرون: إنها هي السنة، هؤلاء يزعمون يقولون: نحن نؤمن بالله، نؤمن بالقرآن، نؤمن بالسنة، ولكن أفعالهم تكذب أقوالهم. كيف؟ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ؛ يعني: هذه إرادتهم وهذا هواهم؛ أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ما يريدون أن يتحاكموا إلى الله ورسوله، إلى الطاغوت.والطَّاغُوتِكما سبق صيغة مبالغة من الطغيان، فهو إذن فيه الاعتداءُ والبغيُ. والمراد بالطاغوت هنا: كل حكم خالف حكم الله ورسوله، أو كل حاكم يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله، هذا الطاغوت؛ لأن كل من حكم بغير كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ورأى أنه يجب أن يكون الحكم إلى ما قال فإنه طاغية مُعْتدٍ، نزَّل نفسه ما لا يستحق.إذن ما هو الطاغوت؟ الطاغوت: كل من حكم بغير ما أنزل الله، هذا الطاغوت؛ لأن الكلام الآن في المحاكمة، وقد حدَّ ابن القيم رحمه الله، الطاغوت الطاغوت بالمعنى الأعم، فقال: هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ؛ يعني الأمر ليس فيه لبس، وليس فيه خفاء عليهم، بل قد أمروا أن يكفروا به، والذي يؤمر بأن يكفر بالشيء ثم يريد أن يكون التحاكم إليه. هل هذه الإرداة منه على بصيرة ولَّا على جهل وخفاء؟ هي على بصيرة، فهم قد بُيِّن لهم الأمر، وأُمِروا بأن يكفروا بهذا الطاغوت، فيكفروا بكل حكم خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لكنهم مع ذلك -والعياذ بالله- ما يريدون إلا هذا.قال الله تعالى: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًايُرِيدُ الشَّيْطَانُهل هنا الشيطان علم أو جنس؟ جنس، فيشمل شياطين الإنس وشياطين الجن.قال الله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ [النساء: ٢٧].طلبة: أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا.الشيخ: أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، فالمراد بالشيطان الجنس شياطين الإنس والجن.يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا؛ أي: يوقعهم في الضلال البعيد عن الحق، ولكن لا يلزم من هذا أن ينقلهم من الحق إلى الباطل طفرة واحدة، بل هو يستدرج بهم شيئًا فشيئًا ويمهد لهم الطرق؛ لأن الشيطان يعلم أنهم لو حكموا بما يخالف الحق طفرة واحدة، هل يقبلونه أم لا يقبلون؟طلبة: لا يقبلون.الشيخ: لا يقبلون، لكنه يمهد لهم الطريق ويريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا ليس قريبًا، لكنه بالتدريج شيئًا فشيئًا حتى يوقعهم في الضلال البعيد؛ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء: ٦٠ - ٦١]، سبحان الله! القرآن يفسر بعضه بعضًا إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ، إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُوهو القرآن، وَإِلَى الرَّسُولِإلى الرسول؛ نفسه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، لكنا قلنا: الخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام، فيكون المراد بقوله: وَإِلَى الرَّسُولِ؛ أي: إلى الرسول نفسه، إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا.قوله: رَأَيْتَ؛ يعني: رؤية حال لا رؤية بصر؛ لأنهم ما هم عند الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يكونوا عنده ويقال لهم: تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ، لكن كلمة تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِتدل على أنهم ليسوا حاضرين عنده، فقوله: رَأَيْتَ؛ أي: رؤية حال لا رؤية بصر؛ يعني: كأنما تشاهدهم.يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًايعرضون عنك إعراضًا. وقوله: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَهذا -كما يعلم أكثركم- إظهار في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقال: رأيتهم يصدون عنك صدودًا، لكن قال: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ، وفي هذا الإظهار في مقام الإضمار فائدتان:الفائدة الأولى: أن هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا كانوا؟طالب: منافقين.الشيخ: كانوا منافقين، يزعمون أنهم آمنوا ولكن ما آمنوا. ثانيًا: أن مثل هذه الحال لا تصدر إلا من منافق، وأن من كانت هذه حاله ولو إلى يوم القيامة فإنه منافق؛ لأن المؤمن حقًّا لا بد أن ينقاد لأمر الله وأمر رسوله مهما كان الأمر.قوله: إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَهذه جواب (إذا)؛ يعني: بمجرد ما يقال لهم الكلام يُعْرِضونكلمة (صَدَّ) تُسْتَعمل لازمة ومتعدية؛ فإن كانت لازمة فالمصدر: (صدَّ، يصُدُّ، صدودًا)، كـ(قعد، يقعُد، قُعودًا)، وهنا لازمة ولَّا متعدية؟طلبة: لازمة.الشيخ: لازمة؛ لأن مصدرها (صدود). أما إذا كانت متعدية بمعنى صدَّ غيره فإن مصدرها: (صدَّه، يصدُّه، صدًّا)، كـ(ردَّه، يرُدُّه، ردًّا).هنا هم يصدون إذا دعوا رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، قال الله عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء: ٦٢]؛ يعني كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم؟!ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًاالاستفهام هنا المراد به التعجب؛ يعني كيف تكون حالهم إذا أصابتهم مصيبة!وهذه المصيبة التي ذكر الله هل هي مصيبة دنيوية أم أنها المصيبة الشرعية أم الأمران؟ الأمران؛ لأنه كلما أمكن أن تكون الآية شاملة للمعنين وهما لا يتضادان فهو أولى. إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌقد تكون مصيبة دنيوية بالفقر والجدب، وما أشبه ذلك، فيأتون يشكون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يشكون إليه ويقولون: يا رسول الله، أُصبنا بهذه المصائب ونحن ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق. أو أنها المصيبة الشرعية، ويكون المراد بها: إذا أظهر الله رسوله على أمرهم جاؤوا يحلفون إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا. وكلا الأمرين صحيح؛ فإذا أطلع الله نبيه عليهم جاؤوا يعتذرون يقولون: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا. وقوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْالباء هنا للسببية بِمَا قَدَّمَتْ، و(ما) اسم موصول، وقَدَّمَتْصلته، والعائد محذوف والتقدير: بما قدمته أيديهم؛ أي: بما قدموا هم.لكن في اللغة العربية يُطْلَق مثل هذا التعبير ويراد به نفس الفاعل بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛ أي: بما قدموه من الأعمال السيئة والنفاق، جاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ؛ أي: يُقْسِمون به.إِنْبمعنى (ما)، ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا، إِحْسَانًابكوننا نسلم من الفضيحة والعار. وَتَوْفِيقًابين المؤمنين والكافرين، أو بين طريق الكفر والإيمان؛ يعني ودَّنا نوفق بين طريقكم أنتم يا أيها المسلمون وبين طريق الكفار، نمشي معكم ونمشي معهم، وهذا حال المنافقين، فهم يقولون: ما أردنا إلا الإحسان؛ أن نحسن المسلك والمنهج ونعيش مع هؤلاء وهؤلاء، فنوفق بين الطرفين.وهذا ممكن ولَّا غير ممكن؟ غير ممكن، ولهذا توعدهم الله بقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [النساء: ٦٣]؛ لأنه جل وعلا علام الغيوب وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، بل الرب جل وعلا أعلم منك بما في نفسك، أو لا؟ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال: ٢٤] أَبَلَغَ من هذه الحيلولة أحدٌ يحول بينك وبين قلبك؟ ما أحد يحول بينك وبين قلبك، الإنسان قلبه هو الذي يدبره؛ إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، لكن الرب عز وجل يحول بينك وبين قلبك، وهذا من أبلغ ما يكون في العلم والخبرة؛ أنه جل وعلا يحول بين المرء وقلبه، ولهذا أحيانا تجد الإنسان عازمًا على فعل شيء ثم لا يدري إلا وأن الله تعالى صرفه عنه. ولهذا قيل لأعرابي: بِمَ عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم، وصرف الهمم. كيف الأعرابي بنقض العزائم، وصرف الهمم؟ هذا صحيح ولَّا لا؟ دائمًا الإنسان يعزم، ربما يخطو خطوات فيما يريد، ثم ما يدري ولا الأمر ها العزيمة منتقضة بدون أي سبب حسيٍّ. وصرف الهمم؛ يهمُّ الإنسان بشيء -والهمة قبل العزيمة- ثم يُصرف عنها بدون أن يكون هناك سبب ظاهر.وهذا كقول الأعرابي الآخر: بِمَ عرفت ربك؟ لكن ذاك استدل بأمر حسي، قيل له: بِمَ عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير -لأنه صاحب إبل هذا الأعرابي- فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أما تدل على السميع البصير؟! سبحان الله! نعم تدل، ولَّا لا؟طلبة: بلى.الشيخ: تدل -واللهِ- أعظم دلالة.فالحاصل أن هولاء يقول الله فيهم متوعدًا لهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْما فيها من النفاق والمكر والخداع والعياذ بالله، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْوهذا غاية ما يكون من الإهانة، أَعْرِضْ عَنْهُمْفالله تعالى يتولاهم. وَعِظْهُمْ؛ يعني: ذكِّرهم وخوِّفْهم، لكن لا تجعلهم أكبر همك، اتركهم ما كأنهم وُجِدوا، وقُمْ بما يجب عليك من الموعظة وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا.قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًاهذه الآية اختلف المفسرون فيها على ثلاثة أقوال:قال قوم: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فِي أَنْفُسِهِمْجارٌ ومجرور متعلق بـ(بليغ)؛ قل لهم قولًا بليغًا في أنفسهم؛ أي: يبلغ في أنفسهم ما يبلغ من التأثير.وقال بعضهم: إن هذا لا يصح؛ لأنه يلزم منه أن الصفة تبلغ فيما سبقها، وهذا لا يصح.وقال بعضهم: المعنى قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا؛ يعني فيما بينك وبينهم؛ يعني انصحهم سِرًّا.وقال آخرون: قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ؛ أي: في شأنهم وفي حالهم، قَوْلًا بَلِيغًاأي: يبلغ قلوبهم ويؤثر فيها. والبليغ، بلاغة القول تكون بأمور؛ منها: أن يكون مشتملًا على البلاغة والفصاحة، كما يقال: هذا قول بليغ.ومنها: أن يكون جزلًا فخمًا مؤثرًا، بمعنى أن كلماته قوية مترابطة محددة، هذا أيضًا يكون بليغًا لقوة تأثيره.ويكون بليغًا أيضًا: من حيث هيئة المتكلم؛ فإن المتكلم إذا كان يتكلم بموت وانخفاض ما يؤثر، لكن إذا كان يتكلم بحماس وقوة يؤثر، كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا خطب احمرَّت عَيْنَاهُ، وَعَلا صوتُه، واشتَدَّ غضَبُه، حتى كأنه مُنْذِرُ جيشٍ يقول: صَبَّحَكم ومسَّاكم . أحيانًا يتكلم بعض الناس أمامك بكلام حماسي، تحس كأن شيئًا يشيلك، بس ودك تمشي على طول. هذا بليغ ولَّا غير بليغ؟طالب: بليغ.الشيخ: هذا بليغ مؤثر. وأحيانًا يجي واحد يتكلم (...) ما شاء الله، لو ما بك نوم جاءك النوم، هذا بليغ ولَّا غير بليغ؟طلبة: غير بليغ.الشيخ: لا، هذا يزين الوسادة، هذا ليس ببليغ.فالمهم أن البلاغة بلاغة القول تكون بوجوه ثلاثة، الآن ما هي؟أولًا: بهيئة المتكلم؛ بأن يكون إلقاؤه للكلام على وجه مؤثر وبالغ.ثانيًا: أن تكون ألفاظه جزلة فخمة مترابطة محددة الموضوع، ما يجد -مثلًا- يحوم في كل وادي لكن محددة مؤثرة.الثالث: أن يبلغ من الفصاحة غايتها بحسب الإمكان. لكن أظن أن بعض الناس قد يكون عنده جزالة ألفاظ وحسن تعبير وترتيب في الكلام، وكذلك أيضًا قوة اندفاع في الكلام وحماس، ولكنه إذا كان إلى جانبه سيبويه يكاد يقوم فرارًا من سماعه. لماذا؟طلبة: باللحن.الشيخ: باللحن العظيم، هذا يؤثر على العامة لا شك؛ لأن العامي ما يدري، لكن طالب العلم يضيق صدره هذا. ولهذا قلنا: إنه لا بد في بلاغة القول أن يكون مشتملًا على البلاغة وسلامة التركيب وموافقة القواعد، وأظن هذا واضحًا جدًّا فيما لو قام بعض الناس يقومه عامي ما عنده نحوٌ ولا شيء، ويتكلم بكلام جزل وفصيح وباندفاع وقوة وحماس، فتجده يؤثر في قلوب الناس، لكن إذا كان عنده طالب علم يضيق صدره، لو تأثر وعرف أن الموضوع جيد وجزل، لكن يضيق صدره من جهة اللحن العظيم.يقول لي واحد: إنه حضر مجلسًا يتكلم فيه الإخوان أهل جماعة التبليغ، فقام واحد منهم -وكان لهم تأثير في الواقع الجماعة هؤلاء- فقام يتكلم، تأثر، لكن بدأ يرفع المنصوب وينصب المرفوع ويجر المرفوع، وما أشبه ذلك، يخبط خبط عشواء، فيه واحد يعرف في النحو، وذاك كلما تكلم بكلمة فيها خطأ لَمَّ رأسه هكذا..طالب: كالصواعق.الشيخ: إي نعم، فلما انتهى قال: جزاك الله خيرًا، هذه موعظة مفيدة ولكنك الحقيقة أكثرت اللحن. ماذا قال له هذا المبلغ؟ قال: الله يجزاك خيرًا بعدد اللي أهديت إليَّ عيوبي وبينت أني ضعيف وأني ما أقدر، فالآن عرفت نفسي عرفتني بنفسي، ولكن جزاك الله خيرًا قُمْ أنت وتكلم، يقول: فقام هذا الرجل يتكلم لكن ذاك أخطأ في ستة أسطر بستة مواضع، وهذا أخطأ في ستة أسطر باثني عشر موضعًا.طالب: (...).الشيخ: نعم.طالب: الناقد؟الشيخ: الناقد يقول: لحن أكثر من ذاك، وهذا غريب، سبحان الله العظيم! والناس يقولون: لا تعيِّر الناس فيعيروك، الغالب أن الإنسان اللي ينتقد الناس لأجل الانتقاد لا لأجل الإصلاح، الغالب أنه يخطئ، يكون الانتقاد عليه أكثر، فكل إنسان منا يعرف نفسه.المهم يقول الله عز وجل: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا، شوف الله عز وجل يرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه التوجيهات العظيمة، أَعْرِضْ عَنْهُمْاحتقارًا وامتهانًا، عِظْهُمْإقامة للحُجةِ عليهم، قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًالعل الله أن يهديهم ويتأثروا بهذا. وكم من منافق تاب وتاب الله عليه، ولهذا قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١٤٥، ١٤٦].يقول شيخ الإسلام رحمه الله في هذه الآيات: تنطبق تمامًا على أهل التحريف والتأويل في صفات الله؛ لأن هؤلاء المعطلة لا شك أنهم يؤمنون بالله والرسول ولَّا لا؟ ويقولون ذلك إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ، ويعرضون ويقولون: نذهب إلى فلان وفلان الشيخ الفلاني والعالم الفلاني إذا عُثر عليهم يقول: نحن نريد الإحسان والتوفيق، وأن نجمع بين دلالة العقل وبين دلالة السمع اللي هو النقل، فيدَّعون أنهم بتأويلهم هذا وتحريفهم جمعوا بين الدلالتين؛ بين النقل والعقل.ذكر رحمه الله في الفتوى الحموية أن حال هؤلاء المعطلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه اتباعًا لزعمائهم أنهم يشبهون من قال الله فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَإلى آخره. فالأمر خطير ومسألة التحاكم إلى الله ورسوله هذه هي الإيمان فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥].(...) قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة: ١١] مناسبة هذا الباب للذي قبله أظنها واضحة.الأول: في الحكم بغير ما أنزل الله.والثاني: في أن من حكم بغير ما أنزل الله فدعواه الإيمان كذب. فمناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة ومناسبة.يقول: (وقول الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة: ١١]).الإفساد في الأرض نوعان:أحدهما: الإفساد الحسي المادي؛ وذلك بهدم البيوت وإفساد الطرق، وما أشبه ذلك مما يفعله بعض الرعاع من الناس الذين يدعون أنهم بذلك مصلحون وهم مفسدون بلا شك، وإلا فما ذَنْب البيوت، وما ذنب الطرق، وما ذنب الأبرياء حتى تُهدر كرامتهم؟! فهولاء الذين يدعون أنهم مصلحون هم في الحقيقة مفسدون.والنوع الثاني من الإفساد: الإفساد المعنوي؛ يعني فعل ما يحصل به الفساد، وذلك بالمعاصي؛ فإن المعاصي من أكبر فساد الأرض، قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، وقال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].هذا يشمل إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِيشمل المعنيين جميعًا.والإفساد في الأرض بالمعنى الأول كَثُرَ في الآونة الأخيرة؛ وذلك بإلقاء القنابل وغيرها مما يدمر قومًا أبرياء، فإذا قيل: لماذا؟ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَوهم في الحقيقة مفسدون كما قال الله عز وجل، كذلك الإفساد في الأرض بالمعاصي كثير فإن المعاصي سبب للبلاء والشر والفساد.قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦]. وقال في أهل الكتاب: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: ٦٥، ٦٦].فالمهم أن الفساد في الأرض هذا النوع الثاني، وهو فعل ما يكون سببًا للفساد، وذلك؟طالب: بالمعاصي. الشيخ: وذلك بالمعاصي، والمعاصي إما مخالفة أوامر الله، أو الوقوع فيما نهى الله عنه.قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَشوف الدعوى اللي من أكذب الدعاوي (...) حصرية جملة تفيد الحصر؛ يعني ما نحن إلا مصلحون.شوف هذه الدعوى الباطلة من أبطل الدعاوي، ما قالوا: نحن مصلحون فقط؛ يعني عندنا إصلاح، بل قالوا: ما نحن؛ أي: ما حالنا وما شأننا إلا الإصلاح، فقال الرب عز وجل: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ.قابل حصرهم بأعظم منه؛ أَلَاأداة الاستفتاح التي تفيد التنبيه والتوكيد، إِنَّهُمْ(إن) للتوكيد، (هم) للتوكيد، والجملة جملة اسمية تفيد التوكيد، فأُكدت بأربعة مؤكدات؛ وهي: (ألَا)، و(إنَّ)، و(هم) ضمير الفصل، والجملة الاسمية: إِنَّهُمْالْمُفْسِدُونَ، كل هذه أنواع أربعة من المؤكدات، أكَّد الله عز وجل أن هؤلاء الذين يفسدون في الأرض ويدعون الإصلاح هم المفسدون لا غيرهم.مناسبة هذه الآية للباب؛ الباب في دعوى من يزعم أنه مؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت، فيحكم بغير ما أنزل الله، مناسبة هذه الآية للباب أن الحكم بغير ما أنزل الله من أكبر أسباب الفساد في الأرض، وما فسدت الأمم إلا بتحكيم غير شريعة الله، فمناسبتها إذن ومطابقتها للباب ظاهرة.ويقول: (وقوله: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف: ٨٥]) المعنى: لا تفسدوها بالمعاصي ولا بالتدمير المادي الحسي، فهو شامل للنهي عن الفسادين بنوعيهما كما سبق، وقوله: بَعْدَ إِصْلَاحِهَا؛ أي: بعد إصلاحها من قبِلَ مَن؟ من قبِلَ المصلحين الذين أصلح الله بهم الأرض.فمن ذلك القيام ضد دعوة أهل العلم، القيام ضد دعوة السلف وأهل السنة والجماعة، القيام ضد من ينادي بأن يكون الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كل هذا من الفساد في الأرض بعد إصلاحها.أما الفساد في الأرض بعد إفسادها بأن نزيد الفساد فسادًا، فلا بأس به؟ طالب: لا.الشيخ: كيف وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا؟طالب: هذا أقوى.الشيخ: هذا من باب زيادة التوبيخ واللوم لهم؛ لأن الإصلاح إصلاح، ما أحد يذهب يقاوم هذا الإصلاح إلا من كان شرير الطبع فاسد السريرة، أحد يقاوم الإصلاح ويريد أن ينقلب إلى إفساد؟ لا، إلا خبيث الطوية شرير النفس، هذا يمكن يكون، فلهذا ذكر قوله: بَعْدَ إِصْلَاحِهَامن باب تأكيد اللوم والتوبيخ عليهم، إن هذا أمر لا ينبغي، كيف تفسد الصالح؟! هذا غاية ما يكون من الوقاحة وغاية ما يكون من الخبث والشر، لكن شيء فاسد يمضي الإنسان في فساده أهون، وإن كان مطلوبًا من الجميع أن يصلحوا بعد الفساد، لكن الإفساد بعد الإصلاح أعظم وأشد.هل لهذه الآية مناسبة في الباب؟ نعم؛ لأن الحكم في الأرض بما أنزل الله إصلاح بلا شك، وإرادة الحكم بغير ما أنزل الله إفساد.قال: (وقوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]). الاستفهام هنا للتوبيخ. و(حكم) مفعول يَبْغُونَ، وقُدِّم عليه لإفادة الحصر، كأن المعنى: أفلا يبغون إلا حكم الجاهلية. ويَبْغُونَبمعنى يطلبون.و(حكم الجاهلية) الإضافة هنا تحتمل معنيين:أحدهما: أفحكم أهل الجهل الذين سبقوا الرسالة؛ أي: أيريد هؤلاء أن يعيدوا الأمة الإسلامية إلى طريق الجاهلية السابقة للرسالة؟! وأحكام الجاهلية تعرفونها: البحائر، والسوائب، وقتل الأولاد، وقتل البنات، وما أشبه ذلك.أو أن المعنى أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِالمعنى الثاني: أن الحكم موصوف بالجهل؛ يعني أفحكم الجهل سواء كانت عليه الجاهلية السابقة أم لم تكن. وأيهما أعم؟ المعنى الثاني أعم.وعلى كلٍّ فالإضافة تقتضي التقبيح؛ حيث أضيف هذا الحكم إلى الجهل سواء إلى الأمة الجاهلية أو إلى الجهل، فهو يفيد التقبيح. وما هو حكم الجهل أو حكم الجاهلية؟ كل حكم يخالف حكم الله فهو حكم جهل وجاهلية.وهل هو حكم جهل أو جهالة؟ جهل وجهالة؛ إن كان مع العلم بالشرع فهو جهالة، وإن كان مع خفاء الشرع فهو جهل. والجهالة هي العمل بالخطأ سفهًا لا جهلًا إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء: ١٧]، فأما من يعمل السوء بجهل فليس عليه ذنب لكن عليه أن يتعلم.إذن حكم الجاهلية نقول: هذه الإضافة تقتضي أيش؟طالب: التقبيح.الشيخ: التقبيح والتنفير واللوم والتوبيخ على من أراد ذلك.والإضافة هنا إما أنها إضافة إلى قوم، فالمعنى: أفحكم الجاهليين الذين سبقوا الإسلام يبغون، أو مضافة إلى معنى؛ يعني: أفحكم الجهل الذي ليس فيه علم يبغون، والمعنى الثاني أعم.قال الله عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا(مَن) اسم استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أحسن من الله حكمًا، وقد سبق لنا مرارًا أنه إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه يكون مشْربًا معنى؟طالب: التحدي.الشيخ: التحدي، كأنه يقول: من أحسن؟ جيب، ما تقدر، مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًافهو أبلغ من قول: لا أحسن من الله حكمًا، أبلغ؛ لأنه يفيد أيش؟طالب: (...).الشيخ: نعم، يفيد التحدي.طالب: (...).الشيخ: (...).وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًاحُكْمًافاعل (أحسن) منصوب بالضمة الظاهرة؟ كيف؟طلبة: تمييز.الشيخ: تمييز لأيش؟ لـ(أحسن)؛ لأنه بعد اسم التفضيل، فيكون تمييزًا، ميَّز الأحسن لأن كلمة وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِمبهم، فبين هذا المبهم وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا. وقوله جل ذكره: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًايتناول الحكم الكوني والشرعي، أليس كذلك؟طلبة: بلى.الشيخ: الكوني والشرعي.قد يقول قائل: إننا نجد في الأحكام الكونية ما هو ضار ومدمر؛ كالزلازل، والفيضانات، والعواصف، وما أشبه هذا، فأين الحسن في ذلك؟ فما الجواب؟طالب: (...).الشيخ: الجواب أن الغايات المحمودة في هذه الأمور تجعلها حسنة؛ كما يضرب الإنسان ولده تربية، فيُعد هذا الضرب فعلًا؟طلبة: حسنًا.الشيخ: حسنًا، فكذلك الله عز وجل يصيب بعض الناس بهذه المصائب لأجل تربيتهم، وقد قال الله تعالى في القرية التي قلب أهلها قردةً خاسئين قال: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٦٦]، مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَهذه من أعظم الحكم، فصدق قوله تعالى: ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا.ولكن هذا الحسن في حكم الله هل هو بَيِّنٌ لكل أحد؟ لا، لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وكلما ازداد الإنسان إيقانًا ازداد معرفة بحسن أحكام الله، وكلما نقص إيقانه ازداد جهلًا بحسن أحكام الله.ولذلك تجد أهل العلم الراسخين فيه إذا جاءت الآيات المشتبهات، تجدهم يبينون وجهها بأكمل بيان حتى تقول: سبحان الله! كيف يوجد هذا عندهم ولا أعرفه أنا؟! فكل من كان أكمل إيقانًا كان ظهوره على حسن أحكام الله أكثر وأبين، ولا يجد في أحكام الله تناقضًا، ولا يجد في أحكام الله ما يخالف العقل السليم، وكلما قلَّ إيقان المرء قلَّ معرفته بحسن أحكام الله.امتحن نفسك الآن: هل أنت تجد أحكام الله أحسن الأحكام؟ إن كنت كذلك فعندك إيقان، وإن لم تكن كذلك فيقينك ناقص؛ لأن الله قال: مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وهذا خبر لا يدخله الكذب إطلاقًا بأنه لا أحد أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون، ولهذا هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فجمعوا بين المشتبهات وبين المختلفات من النصوص، وقالوا: كلٌّ من عند ربنا، لا تناقض فيه ولا اختلاف، إي نعم. طالب: (...).الشيخ: (وعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» . قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح).الحديث صححه النووي وجماعة، لكن ضعفه غيره، وممن ضعفه ابن رجب شارح الأربعين النووية، في كتاب إحكام الأحكام ضعفه.ولكن إذا ضَعُف سندًا فإنه لا يَضعُف متنًا فإن معناه صحيح بلا شك، قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ»، لا يؤمن مطلقًا ولَّا لا يؤمن على وجه التمام؟ لا يؤمن على وجه التمام، اللهم إلا أن يكون لا يهوى ما جاء به الرسول إطلاقًا فإنه لا يُؤمِنُ أبدًا، لا يؤمن مطلق الإيمان؛ لأنه إذا كره ما أنزل الله فقد حبط عمله لكفره، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩] بكفرهم، لكن إذا كان مؤمنًا ولا يكره ما أنزل الله لكن عنده في بعض الأشياء ميل إلى غير ما أنزل الله، فهذا يكون نفي الإيمان في حقه نفي كمال.وقوله: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ» الهوى مقصورًا: الميل، والهواء ممدودًا: الريح، والمراد هنا الأول، ولهذا جاء مقصورًا. «حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» «هَوَاهُ تَبَعًا»، فإذا كان الهوى تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كان هوى مقبولًا صحيحًا. ولكن اعلم أن أكثر ما يطلق الهوى على هوى الضلال لا على هوى الإيمان؛ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣]، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد: ١٤]، وما أشبه ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على ذَمِّ من اتبع هواه، لكن الهوى إذا كان تبعًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام صار هوى إيمان، وصار محمودًا، وهو من كمال الإيمان.«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ» هذه (حتى) للغاية، «تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»، لِمَا جاء به من القرآن ولَّا من السنة؟طلبة: (...).الشيخ: الجميع، و«تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» في الأحكام ولَّا في التصديق؟ يعني في العمل بالأحكام ولَّا في التصديق بالأخبار، أو في الجميع؟ في الجميع، يكون تبعًا لما جاء به؛ إن جاء بأخبار صدق وآمن وأيقن، إن جاء بأحكام امتثل واتبع.«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»، إذا كان هواه لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لزم من ذلك أن يوافقه ولَّا لا؟ تصديقًا بالخبر، وامتثالًا للأمر، فيكون حينئذٍ مؤمنًا بالرسول محكمًا للشرع، مفهومها: من لم يكن كذلك فإيمانه ناقص أو مفقود.(حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟) .(حَدِّثُوا النَّاسَ) الحديث معناه: كلام؛ يعني كلموهم بالمواعظ وغير المواعظ، (بِمَا يَعْرِفُونَ)؛ أي: بما يمكن أن يعرفوه وتبلغه عقولهم، وليس المعنى بما يعرفونه من قبل؛ لأن ما يعرفونه من قبل تحديثهم به؟طالب: تحصيل حاصل.الشيخ: تحصيل حاصل لا فائدة منه، لكن المراد (بِمَا يَعْرِفُونَ)؛ أي: بما تمكنهم معرفته وتبلغه عقولهم؛ حتى لا يَفْتَتنوا، ولهذا جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه: إنك لن تحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ، وهذا صحيح إذا حدثت أحدًا بما لا يبلغه عقله مفاجأة هكذا ربما ينفر، يكذب، ويكره هذا، ولهذا من الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل، من الحكمة ألَّا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه، بل تأتي بهم رويدًا رويدًا حتى تستقر عقولهم، ولهذا قال: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ)؛ أي: بما؟طلبة: يمكنهم معرفته.الشيخ: بما يمكنهم معرفته؛ حتى يقبلوا ذلك.ثم قال: (أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟) الاستفهام هنا للإنكار؛ يعني: أتريدون إذا حدثتم الناس بما لا يعرفون أن يُكَذَّبَ الله ورسوله؟! كيف ذلك؟ لأنك إذا قلت لهم: قال الله كذا وكذا وهو مما لا يبلغه عقولهم، ويش يقولون؟طالب: كذب.الشيخ: يقولون: هذا كذب، ما يصير أن الله يقول: كذا، قال الرسول: كذا وكذا (...) ما يصير، فكل شيء لا تبلغه العقول فإنه يحتمل إذا حدثتهم به أن يكذبوا الله ورسوله، وهم يكذبون الله لأنهم ما علموا أن الله قاله، لكن يكذبونك بحديث تنسبه إلى الله ورسوله، فيكونون بذلك مكذبين لله ورسوله، لا مباشرةً ولكن بواسطتك أنت.فإن قال قائل: إذن ما نحدث الناس إلا بما تبلغه عقولهم، والذي لا تبلغه ندع الحديث به؟نقول: نعم، ندع الحديث به إلا عن طريقٍ تبلغه عقولهم، بحيث ننقلهم رويدًا رويدًا حتى يطمئنوا ويمكنهم أن يتقبلوا هذا الحديث، نحن لا ندع الأحاديث اللي ما تبلغها عقول العوام اللي يقولون: هذا الشيء استنكر ما نحن بقائلينه، أو مثل هذا أيضًا العمل بالسنة، هذا عمل استنكر ما نحن بعاملين به، لا، ما ندع السنة ولا ندع الخبر عن الله ورسوله، لكننا لا نباغت الناس بأمر؟طلبة: (...).الشيخ: لا يعرفونه وينكرونه، فيكون لبعضهم فتنة، وإنما ننقلهم شيئًا فشيئًا.ويستفاد من هذا الأثر: مهمة الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل، وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوين، وينزل كل إنسان منزلته، أحيانًا نحدث بعض طلبة العلم، نحدثهم بحديث طالب العلم يبلغه عقله ويعرفه يلقى على العامي اللي جامبك: ويش تقول؟ أتيت بحديث آخر يبلغه عقله؛ لأني لو أحدثه بحديث حدثت به طالب العلم الذي يدرك ويفهم لكان بالنسبة إليه ضررًا عليه وفتنة له. فلهذا من مهمات الداعية إلى الله عز وجل أن يكون على علم بأحوال الناس، وكيف يمكن أن يحدثوا بهذا الحديث أو لا يمكن.طالب: طيب -مثلًا- السجود بعد السلام تستنكره عقول الناس. الشيخ: إي نعم.الطالب: لو صرت إمامًا، كيف أفعل لو صار..؟الشيخ: هذا إذا فعلت هذا الشيء، فبمجرد ما تفعله تنبههم.الطالب: بس ممكن يكذبونك، يقولون: ما صحيح، ولا جاء عن الرسول.الشيخ: أنت إذا قلت.. لأن هذا بالحقيقة شيء ما يدركه العقل، ما هو معنًى صعب على العقل فهمه، هذا عبارة عمل نُقل من مكان إلى مكان، يستنكرونه، يظنونه ما صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو؛ لأن عقولهم لا تبلغه عقولهم، فأنت تقول: هذا أمر ثبت بالنص، وإذا شئتم اسألوا أهل العلم، إي نعم.مناسبة هذا الباب لباب الصفات، هذا الأثر لباب الصفات مناسبته ظاهرة؛ لأن بعض الصفات لا تحتملها أفهام العامة، فيمكن إذا حدثتم بها صار لذلك أثر سيءٌ عليهم.مثلًا: حديث النزول إلى السماء الدنيا مع ثبوت العلو، لو حدثت العامي بأنه ينزل بذاته إلى السماء الدنيا مع علوه على عرشه، وقلت: إن هذا ثابت وحق في الجميع، قد يكون العامي لا يفهم إلا أنه إذا نزل صارت السماوات؟طالب: فوقه.الشيخ: صارت السماوات فوقه، وصار العرش خاليًا منه، وحينئذ تقول: إن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: والعامي يكفيه أن يتصور مطلق المعنى، وأن يتصور أن المرد بهذا بيان فضل الله عز وجل في هذه الساعة من الليل، وبيان أنه عز وجل يدنو من عباده كما يشاء، ويقول هذا الكلام.لكن لو تريد تفصله مثلما تفصل لطالب العلم ربما أنه لا يدرك هذا المعنى، أو يتصوره ويفهمه على خلاف المراد، فيكون بذلك هالكًا. فالمناسبة إذن واضحة.قال: (وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه) (ابن طاوس) هذا اسمه عبد الله، (عن أبيه) طاوس، وهو من أصحاب ابن عباس، (عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكارًا لذلك) .(رأى رجلًا انتفض) ويش هو الانتفاض؟ اهتزاز الجسم، والرجل هذا مبهم لم يبين. والصفة التي حُدث بها أيضًا لم تُبَيَّن. المهم ليس شخص الرجل، وليس عين الصفة التي حُدِّث بها، المهم الأثر الذي تركه هذا الحديث لما سمع انتفض، انتفض لا تعظيمًا للرب عز وجل، ولكن استنكارًا لهذا؛ يعني إنكارًا لهذه الصفة ما هو قابلها، وهذا أمر عظيم صعب؛ لأن الواجب على المرء إذا صح عنده شيء عن الله ورسوله، ويش الواجب عليه؟طالب: أن يُسلم.الشيخ: الإقرار به والتصديق، وألا ينكره، حتى لو ما سمعه، وحتى لو تصور أنه أمر عظيم، يجب عليه أن يقبل ويُسلِّم، ويكون طريقه طريق الراسخين في العلم.يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (ما فَرَقَ هؤلاء) (ما فَرَقَ)، وفي رواية: (ما فَرَقُ)، وفي رواية: (ما فَرَّقَ هؤلاء).أما على: (ما فَرَق) و(ما فَرَقُ)، على رواية الضم تكون (ما) استفهامية، و(فَرَقُ) بمعنى خوف؛ يعني: ما خوف هؤلاء من إثبات الصفة التي تُلِيَت عليهم وبُلِّغت، ليش يخافون؟ لماذا لا يثبتونها لله عز وجل كما أثبتها الله لنفسه أو أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام؟! وهذا ينصَبُّ تمامًا على أهل التعطيل والتحريف اللي ينكرون معنى اليد مثلًا يقولون: ما نثبت يدًا؛ لأن هذا تمثيل..

الثابت في البخاري : «لَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ إِلَّا وَمَا بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوا رَبَّكُمْ»، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا» .
يخاطب الصحابة مع أن عصرهم أقرب إلى الهدى من عصر من بعدهم، وأخبر بأن الذي يعيش منهم سيرى اختلافًا كثيرًا. ومن الأمثال العامية: عش كثير ترى كثير.
وهذا هو الواقع، والناس الذين ماتوا منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة لو جاؤوا في الوقت الحاضر لرأوا تغيرًا عظيمًا، لكن نحن لا نرى التغير؛ لأنه يمشي رويدًا رويدًا، بمنزلة طفلك الذي عندك يشب وينمو لكنك لا تشعر بنموه وشبابه، والسبب لأنه ليس عندك، لكن إذا جاءك من زارك قبل سنتين، ثم جاء وزارك هذه السنة ووجد الطفل وجده متغيرًا كثيرًا حتى يقول: ما شاء الله، هذا ولدك؟! كيف بلغ إلى هذا الحد!
فالناس لا يحسون بالتغير؛ لأن الأمور تأتي رويدًا رويدًا، لكن لو أن أحدًا جاء منذ أن غاب مدة طويلة لوجد التغير الكثير المزعج المخيف المرعب، نسأل الله السلامة والعافية.
فعلينا أن نتذكر هذه الأمور، وأن نعرف أن شريعة الله عز وجل يجب أن تُحمى، ويجب أن تُصان، وألا يُطاع أحد في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله أبدًا مهما كانت منزلته، وأن الواجب أن نكون عبادًا لله عز وجل تذللًا وتعبدًا وطاعةً.
طالب: (...).
الشيخ: إي.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم صحيح، هذا واقع، كانت آلات اللهو تُكْسَر عند جوامع الناس إذا خرجوا من الجمعة، كُسِرَت أمامهم تنكيلًا بصاحبها وتحذيرًا لغيره، وأصبحت الآن -كما تشاهدون- أصبحت تُباع علنًا، وتُرْفَع بها الأصوات، حتى إنه -والعياذ بالله- بعضهم ربَّما يكون حول المساجد ويرفع هذه الأصوات المنكرة التي حرَّمها النبي عليه الصلاة والسلام وقرنها بالزنا والخمر: «لَيَكُونَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» .
ونحن نشكو إلى الله عز وجل أن الواحد منا إذا خرج به ورم خبيث سرطان ذهب يجوب مشارق الأرض ومغاربها؛ لعله ينجو من هذا المرض مع أن مآله الهلاك، لكن هذه الأمراض الفتَّاكة في المجتمع، ما نجد الناس يتألمون منها أو يحسون بها وكأنها أمر أصبح بالتدريج شيئًا معروفًا لا منكرًا، وهذا مما تُخشى عاقبته؛ فإن الله يقول في القرآن: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥]، فحذَّر عز وجل من هذه الفتن العظيمة التي لا تختص بالظالمين وإنما تشمل..، ثم أعقب ذلك بالأمر بأن نعلم علم اليقين أن الله شديد العقاب، مع كمال مغفرته ورحمته، لكن في مواقع الظلم شديد العقاب، عزيز ذو انتقام. الله المستعان.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، يعني طاعة العلماء هي العلم والفقه، عندهم الفقيه هو الذي -مثلًا- يقلد هذا الحبر وما أشبه ذلك، وليس الفقيه هو العالم بالكتاب والسنة.
طالب: (...) العلماء والفقهاء؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: إي.

***

باب: قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}
00:05:24

الطالب:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: ٦٠ - ٦٢].
وقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة: ١١]، وقوله: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦]، وقوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: (باب قوله الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ) إلى آخره.
هذا الباب له صلة بما قبله، صلة قوية؛ لأنه فيه الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله، والأول الذي قبله فيه بيان حكم من أطاع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، وانظر إلى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَأَلَمْ تَرَهذا الاستفهام المراد به التقرير والتعجب من حالهم؛ تقرير ما هم عليه، والتعجب من هذه الحال.
أَلَمْ تَرَوالخطاب في قوله: تَرَيعود إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وهنا الخطاب يتعيَّن أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواما قال إلى الذين آمنوا؛ لأنهم ما آمنوا لكنهم يزعمون ذلك وهم كاذبون، يزعمون ذلك وهم كاذبون.
وقوله: إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَوهو الكتاب والحكمة، كما قال الله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣]، وَالْحِكْمَةَقال المفسرون: إنها هي السنة، هؤلاء يزعمون يقولون: نحن نؤمن بالله، نؤمن بالقرآن، نؤمن بالسنة، ولكن أفعالهم تكذب أقوالهم. كيف؟ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ؛ يعني: هذه إرادتهم وهذا هواهم؛ أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ما يريدون أن يتحاكموا إلى الله ورسوله، إلى الطاغوت.
والطَّاغُوتِكما سبق صيغة مبالغة من الطغيان، فهو إذن فيه الاعتداءُ والبغيُ. والمراد بالطاغوت هنا: كل حكم خالف حكم الله ورسوله، أو كل حاكم يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله، هذا الطاغوت؛ لأن كل من حكم بغير كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ورأى أنه يجب أن يكون الحكم إلى ما قال فإنه طاغية مُعْتدٍ، نزَّل نفسه ما لا يستحق.
إذن ما هو الطاغوت؟ الطاغوت: كل من حكم بغير ما أنزل الله، هذا الطاغوت؛ لأن الكلام الآن في المحاكمة، وقد حدَّ ابن القيم رحمه الله، الطاغوت الطاغوت بالمعنى الأعم، فقال: هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ؛ يعني الأمر ليس فيه لبس، وليس فيه خفاء عليهم، بل قد أمروا أن يكفروا به، والذي يؤمر بأن يكفر بالشيء ثم يريد أن يكون التحاكم إليه. هل هذه الإرداة منه على بصيرة ولَّا على جهل وخفاء؟ هي على بصيرة، فهم قد بُيِّن لهم الأمر، وأُمِروا بأن يكفروا بهذا الطاغوت، فيكفروا بكل حكم خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لكنهم مع ذلك -والعياذ بالله- ما يريدون إلا هذا.
قال الله تعالى: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًايُرِيدُ الشَّيْطَانُهل هنا الشيطان علم أو جنس؟ جنس، فيشمل شياطين الإنس وشياطين الجن.
قال الله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ [النساء: ٢٧].
طلبة: أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا.
الشيخ: أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، فالمراد بالشيطان الجنس شياطين الإنس والجن.
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا؛ أي: يوقعهم في الضلال البعيد عن الحق، ولكن لا يلزم من هذا أن ينقلهم من الحق إلى الباطل طفرة واحدة، بل هو يستدرج بهم شيئًا فشيئًا ويمهد لهم الطرق؛ لأن الشيطان يعلم أنهم لو حكموا بما يخالف الحق طفرة واحدة، هل يقبلونه أم لا يقبلون؟
طلبة: لا يقبلون.
الشيخ: لا يقبلون، لكنه يمهد لهم الطريق ويريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا ليس قريبًا، لكنه بالتدريج شيئًا فشيئًا حتى يوقعهم في الضلال البعيد؛ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء: ٦٠ - ٦١]، سبحان الله! القرآن يفسر بعضه بعضًا إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ، إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُوهو القرآن، وَإِلَى الرَّسُولِإلى الرسول؛ نفسه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، لكنا قلنا: الخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام، فيكون المراد بقوله: وَإِلَى الرَّسُولِ؛ أي: إلى الرسول نفسه، إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا.
قوله: رَأَيْتَ؛ يعني: رؤية حال لا رؤية بصر؛ لأنهم ما هم عند الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يكونوا عنده ويقال لهم: تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ، لكن كلمة تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِتدل على أنهم ليسوا حاضرين عنده، فقوله: رَأَيْتَ؛ أي: رؤية حال لا رؤية بصر؛ يعني: كأنما تشاهدهم.
يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًايعرضون عنك إعراضًا. وقوله: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَهذا -كما يعلم أكثركم- إظهار في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقال: رأيتهم يصدون عنك صدودًا، لكن قال: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ، وفي هذا الإظهار في مقام الإضمار فائدتان:
الفائدة الأولى: أن هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا كانوا؟
طالب: منافقين.
الشيخ: كانوا منافقين، يزعمون أنهم آمنوا ولكن ما آمنوا.
ثانيًا: أن مثل هذه الحال لا تصدر إلا من منافق، وأن من كانت هذه حاله ولو إلى يوم القيامة فإنه منافق؛ لأن المؤمن حقًّا لا بد أن ينقاد لأمر الله وأمر رسوله مهما كان الأمر.
قوله: إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَهذه جواب (إذا)؛ يعني: بمجرد ما يقال لهم الكلام يُعْرِضون
كلمة (صَدَّ) تُسْتَعمل لازمة ومتعدية؛ فإن كانت لازمة فالمصدر: (صدَّ، يصُدُّ، صدودًا)، كـ(قعد، يقعُد، قُعودًا)، وهنا لازمة ولَّا متعدية؟
طلبة: لازمة.
الشيخ: لازمة؛ لأن مصدرها (صدود). أما إذا كانت متعدية بمعنى صدَّ غيره فإن مصدرها: (صدَّه، يصدُّه، صدًّا)، كـ(ردَّه، يرُدُّه، ردًّا).
هنا هم يصدون إذا دعوا رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، قال الله عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء: ٦٢]؛ يعني كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم؟!
ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًاالاستفهام هنا المراد به التعجب؛ يعني كيف تكون حالهم إذا أصابتهم مصيبة!
وهذه المصيبة التي ذكر الله هل هي مصيبة دنيوية أم أنها المصيبة الشرعية أم الأمران؟ الأمران؛ لأنه كلما أمكن أن تكون الآية شاملة للمعنين وهما لا يتضادان فهو أولى. إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌقد تكون مصيبة دنيوية بالفقر والجدب، وما أشبه ذلك، فيأتون يشكون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يشكون إليه ويقولون: يا رسول الله، أُصبنا بهذه المصائب ونحن ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق. أو أنها المصيبة الشرعية، ويكون المراد بها: إذا أظهر الله رسوله على أمرهم جاؤوا يحلفون إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا. وكلا الأمرين صحيح؛ فإذا أطلع الله نبيه عليهم جاؤوا يعتذرون يقولون: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا.
وقوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْالباء هنا للسببية بِمَا قَدَّمَتْ، و(ما) اسم موصول، وقَدَّمَتْصلته، والعائد محذوف والتقدير: بما قدمته أيديهم؛ أي: بما قدموا هم.
لكن في اللغة العربية يُطْلَق مثل هذا التعبير ويراد به نفس الفاعل بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛ أي: بما قدموه من الأعمال السيئة والنفاق، جاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ؛ أي: يُقْسِمون به.
إِنْبمعنى (ما)، ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا، إِحْسَانًابكوننا نسلم من الفضيحة والعار.
وَتَوْفِيقًابين المؤمنين والكافرين، أو بين طريق الكفر والإيمان؛ يعني ودَّنا نوفق بين طريقكم أنتم يا أيها المسلمون وبين طريق الكفار، نمشي معكم ونمشي معهم، وهذا حال المنافقين، فهم يقولون: ما أردنا إلا الإحسان؛ أن نحسن المسلك والمنهج ونعيش مع هؤلاء وهؤلاء، فنوفق بين الطرفين.
وهذا ممكن ولَّا غير ممكن؟ غير ممكن، ولهذا توعدهم الله بقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [النساء: ٦٣]؛ لأنه جل وعلا علام الغيوب وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، بل الرب جل وعلا أعلم منك بما في نفسك، أو لا؟ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال: ٢٤] أَبَلَغَ من هذه الحيلولة أحدٌ يحول بينك وبين قلبك؟ ما أحد يحول بينك وبين قلبك، الإنسان قلبه هو الذي يدبره؛ إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، لكن الرب عز وجل يحول بينك وبين قلبك، وهذا من أبلغ ما يكون في العلم والخبرة؛ أنه جل وعلا يحول بين المرء وقلبه، ولهذا أحيانا تجد الإنسان عازمًا على فعل شيء ثم لا يدري إلا وأن الله تعالى صرفه عنه.
ولهذا قيل لأعرابي: بِمَ عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم، وصرف الهمم. كيف الأعرابي بنقض العزائم، وصرف الهمم؟ هذا صحيح ولَّا لا؟ دائمًا الإنسان يعزم، ربما يخطو خطوات فيما يريد، ثم ما يدري ولا الأمر ها العزيمة منتقضة بدون أي سبب حسيٍّ. وصرف الهمم؛ يهمُّ الإنسان بشيء -والهمة قبل العزيمة- ثم يُصرف عنها بدون أن يكون هناك سبب ظاهر.
وهذا كقول الأعرابي الآخر: بِمَ عرفت ربك؟ لكن ذاك استدل بأمر حسي، قيل له: بِمَ عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير -لأنه صاحب إبل هذا الأعرابي- فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أما تدل على السميع البصير؟! سبحان الله! نعم تدل، ولَّا لا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: تدل -واللهِ- أعظم دلالة.
فالحاصل أن هولاء يقول الله فيهم متوعدًا لهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْما فيها من النفاق والمكر والخداع والعياذ بالله، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْوهذا غاية ما يكون من الإهانة، أَعْرِضْ عَنْهُمْفالله تعالى يتولاهم. وَعِظْهُمْ؛ يعني: ذكِّرهم وخوِّفْهم، لكن لا تجعلهم أكبر همك، اتركهم ما كأنهم وُجِدوا، وقُمْ بما يجب عليك من الموعظة وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا.
قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًاهذه الآية اختلف المفسرون فيها على ثلاثة أقوال:
قال قوم: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فِي أَنْفُسِهِمْجارٌ ومجرور متعلق بـ(بليغ)؛ قل لهم قولًا بليغًا في أنفسهم؛ أي: يبلغ في أنفسهم ما يبلغ من التأثير.
وقال بعضهم: إن هذا لا يصح؛ لأنه يلزم منه أن الصفة تبلغ فيما سبقها، وهذا لا يصح.
وقال بعضهم: المعنى قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا؛ يعني فيما بينك وبينهم؛ يعني انصحهم سِرًّا.
وقال آخرون: قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ؛ أي: في شأنهم وفي حالهم، قَوْلًا بَلِيغًاأي: يبلغ قلوبهم ويؤثر فيها.
والبليغ، بلاغة القول تكون بأمور؛ منها: أن يكون مشتملًا على البلاغة والفصاحة، كما يقال: هذا قول بليغ.
ومنها: أن يكون جزلًا فخمًا مؤثرًا، بمعنى أن كلماته قوية مترابطة محددة، هذا أيضًا يكون بليغًا لقوة تأثيره.
ويكون بليغًا أيضًا: من حيث هيئة المتكلم؛ فإن المتكلم إذا كان يتكلم بموت وانخفاض ما يؤثر، لكن إذا كان يتكلم بحماس وقوة يؤثر، كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا خطب احمرَّت عَيْنَاهُ، وَعَلا صوتُه، واشتَدَّ غضَبُه، حتى كأنه مُنْذِرُ جيشٍ يقول: صَبَّحَكم ومسَّاكم . أحيانًا يتكلم بعض الناس أمامك بكلام حماسي، تحس كأن شيئًا يشيلك، بس ودك تمشي على طول. هذا بليغ ولَّا غير بليغ؟
طالب: بليغ.
الشيخ: هذا بليغ مؤثر. وأحيانًا يجي واحد يتكلم (...) ما شاء الله، لو ما بك نوم جاءك النوم، هذا بليغ ولَّا غير بليغ؟
طلبة: غير بليغ.
الشيخ: لا، هذا يزين الوسادة، هذا ليس ببليغ.
فالمهم أن البلاغة بلاغة القول تكون بوجوه ثلاثة، الآن ما هي؟
أولًا: بهيئة المتكلم؛ بأن يكون إلقاؤه للكلام على وجه مؤثر وبالغ.
ثانيًا: أن تكون ألفاظه جزلة فخمة مترابطة محددة الموضوع، ما يجد -مثلًا- يحوم في كل وادي لكن محددة مؤثرة.
الثالث: أن يبلغ من الفصاحة غايتها بحسب الإمكان. لكن أظن أن بعض الناس قد يكون عنده جزالة ألفاظ وحسن تعبير وترتيب في الكلام، وكذلك أيضًا قوة اندفاع في الكلام وحماس، ولكنه إذا كان إلى جانبه سيبويه يكاد يقوم فرارًا من سماعه. لماذا؟
طلبة: باللحن.
الشيخ: باللحن العظيم، هذا يؤثر على العامة لا شك؛ لأن العامي ما يدري، لكن طالب العلم يضيق صدره هذا. ولهذا قلنا: إنه لا بد في بلاغة القول أن يكون مشتملًا على البلاغة وسلامة التركيب وموافقة القواعد، وأظن هذا واضحًا جدًّا فيما لو قام بعض الناس يقومه عامي ما عنده نحوٌ ولا شيء، ويتكلم بكلام جزل وفصيح وباندفاع وقوة وحماس، فتجده يؤثر في قلوب الناس، لكن إذا كان عنده طالب علم يضيق صدره، لو تأثر وعرف أن الموضوع جيد وجزل، لكن يضيق صدره من جهة اللحن العظيم.
يقول لي واحد: إنه حضر مجلسًا يتكلم فيه الإخوان أهل جماعة التبليغ، فقام واحد منهم -وكان لهم تأثير في الواقع الجماعة هؤلاء- فقام يتكلم، تأثر، لكن بدأ يرفع المنصوب وينصب المرفوع ويجر المرفوع، وما أشبه ذلك، يخبط خبط عشواء، فيه واحد يعرف في النحو، وذاك كلما تكلم بكلمة فيها خطأ لَمَّ رأسه هكذا..
طالب: كالصواعق.
الشيخ: إي نعم، فلما انتهى قال: جزاك الله خيرًا، هذه موعظة مفيدة ولكنك الحقيقة أكثرت اللحن. ماذا قال له هذا المبلغ؟ قال: الله يجزاك خيرًا بعدد اللي أهديت إليَّ عيوبي وبينت أني ضعيف وأني ما أقدر، فالآن عرفت نفسي عرفتني بنفسي، ولكن جزاك الله خيرًا قُمْ أنت وتكلم، يقول: فقام هذا الرجل يتكلم لكن ذاك أخطأ في ستة أسطر بستة مواضع، وهذا أخطأ في ستة أسطر باثني عشر موضعًا.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
طالب: الناقد؟
الشيخ: الناقد يقول: لحن أكثر من ذاك، وهذا غريب، سبحان الله العظيم! والناس يقولون: لا تعيِّر الناس فيعيروك، الغالب أن الإنسان اللي ينتقد الناس لأجل الانتقاد لا لأجل الإصلاح، الغالب أنه يخطئ، يكون الانتقاد عليه أكثر، فكل إنسان منا يعرف نفسه.
المهم يقول الله عز وجل: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا، شوف الله عز وجل يرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه التوجيهات العظيمة، أَعْرِضْ عَنْهُمْاحتقارًا وامتهانًا، عِظْهُمْإقامة للحُجةِ عليهم، قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًالعل الله أن يهديهم ويتأثروا بهذا. وكم من منافق تاب وتاب الله عليه، ولهذا قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١٤٥، ١٤٦].
يقول شيخ الإسلام رحمه الله في هذه الآيات: تنطبق تمامًا على أهل التحريف والتأويل في صفات الله؛ لأن هؤلاء المعطلة لا شك أنهم يؤمنون بالله والرسول ولَّا لا؟ ويقولون ذلك إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ، ويعرضون ويقولون: نذهب إلى فلان وفلان الشيخ الفلاني والعالم الفلاني إذا عُثر عليهم يقول: نحن نريد الإحسان والتوفيق، وأن نجمع بين دلالة العقل وبين دلالة السمع اللي هو النقل، فيدَّعون أنهم بتأويلهم هذا وتحريفهم جمعوا بين الدلالتين؛ بين النقل والعقل.
ذكر رحمه الله في الفتوى الحموية أن حال هؤلاء المعطلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه اتباعًا لزعمائهم أنهم يشبهون من قال الله فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَإلى آخره. فالأمر خطير ومسألة التحاكم إلى الله ورسوله هذه هي الإيمان فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥].
(...) قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة: ١١] مناسبة هذا الباب للذي قبله أظنها واضحة.
الأول: في الحكم بغير ما أنزل الله.
والثاني: في أن من حكم بغير ما أنزل الله فدعواه الإيمان كذب. فمناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة ومناسبة.
يقول: (وقول الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة: ١١]).
الإفساد في الأرض نوعان:
أحدهما: الإفساد الحسي المادي؛ وذلك بهدم البيوت وإفساد الطرق، وما أشبه ذلك مما يفعله بعض الرعاع من الناس الذين يدعون أنهم بذلك مصلحون وهم مفسدون بلا شك، وإلا فما ذَنْب البيوت، وما ذنب الطرق، وما ذنب الأبرياء حتى تُهدر كرامتهم؟! فهولاء الذين يدعون أنهم مصلحون هم في الحقيقة مفسدون.
والنوع الثاني من الإفساد: الإفساد المعنوي؛ يعني فعل ما يحصل به الفساد، وذلك بالمعاصي؛ فإن المعاصي من أكبر فساد الأرض، قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، وقال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].
هذا يشمل إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِيشمل المعنيين جميعًا.
والإفساد في الأرض بالمعنى الأول كَثُرَ في الآونة الأخيرة؛ وذلك بإلقاء القنابل وغيرها مما يدمر قومًا أبرياء، فإذا قيل: لماذا؟ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَوهم في الحقيقة مفسدون كما قال الله عز وجل، كذلك الإفساد في الأرض بالمعاصي كثير فإن المعاصي سبب للبلاء والشر والفساد.
قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦]. وقال في أهل الكتاب: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: ٦٥، ٦٦].
فالمهم أن الفساد في الأرض هذا النوع الثاني، وهو فعل ما يكون سببًا للفساد، وذلك؟
طالب: بالمعاصي.
الشيخ: وذلك بالمعاصي، والمعاصي إما مخالفة أوامر الله، أو الوقوع فيما نهى الله عنه.
قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَشوف الدعوى اللي من أكذب الدعاوي (...) حصرية جملة تفيد الحصر؛ يعني ما نحن إلا مصلحون.
شوف هذه الدعوى الباطلة من أبطل الدعاوي، ما قالوا: نحن مصلحون فقط؛ يعني عندنا إصلاح، بل قالوا: ما نحن؛ أي: ما حالنا وما شأننا إلا الإصلاح، فقال الرب عز وجل: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ.
قابل حصرهم بأعظم منه؛ أَلَاأداة الاستفتاح التي تفيد التنبيه والتوكيد، إِنَّهُمْ(إن) للتوكيد، (هم) للتوكيد، والجملة جملة اسمية تفيد التوكيد، فأُكدت بأربعة مؤكدات؛ وهي: (ألَا)، و(إنَّ)، و(هم) ضمير الفصل، والجملة الاسمية: إِنَّهُمْالْمُفْسِدُونَ، كل هذه أنواع أربعة من المؤكدات، أكَّد الله عز وجل أن هؤلاء الذين يفسدون في الأرض ويدعون الإصلاح هم المفسدون لا غيرهم.
مناسبة هذه الآية للباب؛ الباب في دعوى من يزعم أنه مؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت، فيحكم بغير ما أنزل الله، مناسبة هذه الآية للباب أن الحكم بغير ما أنزل الله من أكبر أسباب الفساد في الأرض، وما فسدت الأمم إلا بتحكيم غير شريعة الله، فمناسبتها إذن ومطابقتها للباب ظاهرة.
ويقول: (وقوله: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف: ٨٥]) المعنى: لا تفسدوها بالمعاصي ولا بالتدمير المادي الحسي، فهو شامل للنهي عن الفسادين بنوعيهما كما سبق، وقوله: بَعْدَ إِصْلَاحِهَا؛ أي: بعد إصلاحها من قبِلَ مَن؟ من قبِلَ المصلحين الذين أصلح الله بهم الأرض.
فمن ذلك القيام ضد دعوة أهل العلم، القيام ضد دعوة السلف وأهل السنة والجماعة، القيام ضد من ينادي بأن يكون الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كل هذا من الفساد في الأرض بعد إصلاحها.
أما الفساد في الأرض بعد إفسادها بأن نزيد الفساد فسادًا، فلا بأس به؟
طالب: لا.
الشيخ: كيف وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا؟
طالب: هذا أقوى.
الشيخ: هذا من باب زيادة التوبيخ واللوم لهم؛ لأن الإصلاح إصلاح، ما أحد يذهب يقاوم هذا الإصلاح إلا من كان شرير الطبع فاسد السريرة، أحد يقاوم الإصلاح ويريد أن ينقلب إلى إفساد؟ لا، إلا خبيث الطوية شرير النفس، هذا يمكن يكون، فلهذا ذكر قوله: بَعْدَ إِصْلَاحِهَامن باب تأكيد اللوم والتوبيخ عليهم، إن هذا أمر لا ينبغي، كيف تفسد الصالح؟! هذا غاية ما يكون من الوقاحة وغاية ما يكون من الخبث والشر، لكن شيء فاسد يمضي الإنسان في فساده أهون، وإن كان مطلوبًا من الجميع أن يصلحوا بعد الفساد، لكن الإفساد بعد الإصلاح أعظم وأشد.
هل لهذه الآية مناسبة في الباب؟ نعم؛ لأن الحكم في الأرض بما أنزل الله إصلاح بلا شك، وإرادة الحكم بغير ما أنزل الله إفساد.
قال: (وقوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]). الاستفهام هنا للتوبيخ. و(حكم) مفعول يَبْغُونَ، وقُدِّم عليه لإفادة الحصر، كأن المعنى: أفلا يبغون إلا حكم الجاهلية. ويَبْغُونَبمعنى يطلبون.
و(حكم الجاهلية) الإضافة هنا تحتمل معنيين:
أحدهما: أفحكم أهل الجهل الذين سبقوا الرسالة؛ أي: أيريد هؤلاء أن يعيدوا الأمة الإسلامية إلى طريق الجاهلية السابقة للرسالة؟! وأحكام الجاهلية تعرفونها: البحائر، والسوائب، وقتل الأولاد، وقتل البنات، وما أشبه ذلك.
أو أن المعنى أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِالمعنى الثاني: أن الحكم موصوف بالجهل؛ يعني أفحكم الجهل سواء كانت عليه الجاهلية السابقة أم لم تكن. وأيهما أعم؟ المعنى الثاني أعم.
وعلى كلٍّ فالإضافة تقتضي التقبيح؛ حيث أضيف هذا الحكم إلى الجهل سواء إلى الأمة الجاهلية أو إلى الجهل، فهو يفيد التقبيح.
وما هو حكم الجهل أو حكم الجاهلية؟ كل حكم يخالف حكم الله فهو حكم جهل وجاهلية.
وهل هو حكم جهل أو جهالة؟ جهل وجهالة؛ إن كان مع العلم بالشرع فهو جهالة، وإن كان مع خفاء الشرع فهو جهل. والجهالة هي العمل بالخطأ سفهًا لا جهلًا إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء: ١٧]، فأما من يعمل السوء بجهل فليس عليه ذنب لكن عليه أن يتعلم.
إذن حكم الجاهلية نقول: هذه الإضافة تقتضي أيش؟
طالب: التقبيح.
الشيخ: التقبيح والتنفير واللوم والتوبيخ على من أراد ذلك.
والإضافة هنا إما أنها إضافة إلى قوم، فالمعنى: أفحكم الجاهليين الذين سبقوا الإسلام يبغون، أو مضافة إلى معنى؛ يعني: أفحكم الجهل الذي ليس فيه علم يبغون، والمعنى الثاني أعم.
قال الله عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا(مَن) اسم استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أحسن من الله حكمًا، وقد سبق لنا مرارًا أنه إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه يكون مشْربًا معنى؟
طالب: التحدي.
الشيخ: التحدي، كأنه يقول: من أحسن؟ جيب، ما تقدر، مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًافهو أبلغ من قول: لا أحسن من الله حكمًا، أبلغ؛ لأنه يفيد أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، يفيد التحدي.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًاحُكْمًافاعل (أحسن) منصوب بالضمة الظاهرة؟ كيف؟
طلبة: تمييز.
الشيخ: تمييز لأيش؟ لـ(أحسن)؛ لأنه بعد اسم التفضيل، فيكون تمييزًا، ميَّز الأحسن لأن كلمة وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِمبهم، فبين هذا المبهم وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا.
وقوله جل ذكره: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًايتناول الحكم الكوني والشرعي، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: الكوني والشرعي.
قد يقول قائل: إننا نجد في الأحكام الكونية ما هو ضار ومدمر؛ كالزلازل، والفيضانات، والعواصف، وما أشبه هذا، فأين الحسن في ذلك؟ فما الجواب؟
طالب: (...).
الشيخ: الجواب أن الغايات المحمودة في هذه الأمور تجعلها حسنة؛ كما يضرب الإنسان ولده تربية، فيُعد هذا الضرب فعلًا؟
طلبة: حسنًا.
الشيخ: حسنًا، فكذلك الله عز وجل يصيب بعض الناس بهذه المصائب لأجل تربيتهم، وقد قال الله تعالى في القرية التي قلب أهلها قردةً خاسئين قال: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٦٦]، مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَهذه من أعظم الحكم، فصدق قوله تعالى: ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا.
ولكن هذا الحسن في حكم الله هل هو بَيِّنٌ لكل أحد؟ لا، لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وكلما ازداد الإنسان إيقانًا ازداد معرفة بحسن أحكام الله، وكلما نقص إيقانه ازداد جهلًا بحسن أحكام الله.
ولذلك تجد أهل العلم الراسخين فيه إذا جاءت الآيات المشتبهات، تجدهم يبينون وجهها بأكمل بيان حتى تقول: سبحان الله! كيف يوجد هذا عندهم ولا أعرفه أنا؟! فكل من كان أكمل إيقانًا كان ظهوره على حسن أحكام الله أكثر وأبين، ولا يجد في أحكام الله تناقضًا، ولا يجد في أحكام الله ما يخالف العقل السليم، وكلما قلَّ إيقان المرء قلَّ معرفته بحسن أحكام الله.
امتحن نفسك الآن: هل أنت تجد أحكام الله أحسن الأحكام؟ إن كنت كذلك فعندك إيقان، وإن لم تكن كذلك فيقينك ناقص؛ لأن الله قال: مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وهذا خبر لا يدخله الكذب إطلاقًا بأنه لا أحد أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون، ولهذا هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فجمعوا بين المشتبهات وبين المختلفات من النصوص، وقالوا: كلٌّ من عند ربنا، لا تناقض فيه ولا اختلاف، إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: (وعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» . قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح).
الحديث صححه النووي وجماعة، لكن ضعفه غيره، وممن ضعفه ابن رجب شارح الأربعين النووية، في كتاب إحكام الأحكام ضعفه.
ولكن إذا ضَعُف سندًا فإنه لا يَضعُف متنًا فإن معناه صحيح بلا شك، قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ»، لا يؤمن مطلقًا ولَّا لا يؤمن على وجه التمام؟ لا يؤمن على وجه التمام، اللهم إلا أن يكون لا يهوى ما جاء به الرسول إطلاقًا فإنه لا يُؤمِنُ أبدًا، لا يؤمن مطلق الإيمان؛ لأنه إذا كره ما أنزل الله فقد حبط عمله لكفره، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩] بكفرهم، لكن إذا كان مؤمنًا ولا يكره ما أنزل الله لكن عنده في بعض الأشياء ميل إلى غير ما أنزل الله، فهذا يكون نفي الإيمان في حقه نفي كمال.
وقوله: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ» الهوى مقصورًا: الميل، والهواء ممدودًا: الريح، والمراد هنا الأول، ولهذا جاء مقصورًا.
«حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» «هَوَاهُ تَبَعًا»، فإذا كان الهوى تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كان هوى مقبولًا صحيحًا.
ولكن اعلم أن أكثر ما يطلق الهوى على هوى الضلال لا على هوى الإيمان؛ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣]، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد: ١٤]، وما أشبه ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على ذَمِّ من اتبع هواه، لكن الهوى إذا كان تبعًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام صار هوى إيمان، وصار محمودًا، وهو من كمال الإيمان.
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ» هذه (حتى) للغاية، «تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»، لِمَا جاء به من القرآن ولَّا من السنة؟
طلبة: (...).
الشيخ: الجميع، و«تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» في الأحكام ولَّا في التصديق؟ يعني في العمل بالأحكام ولَّا في التصديق بالأخبار، أو في الجميع؟ في الجميع، يكون تبعًا لما جاء به؛ إن جاء بأخبار صدق وآمن وأيقن، إن جاء بأحكام امتثل واتبع.
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»، إذا كان هواه لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لزم من ذلك أن يوافقه ولَّا لا؟ تصديقًا بالخبر، وامتثالًا للأمر، فيكون حينئذٍ مؤمنًا بالرسول محكمًا للشرع، مفهومها: من لم يكن كذلك فإيمانه ناقص أو مفقود.
(حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟) .
(حَدِّثُوا النَّاسَ) الحديث معناه: كلام؛ يعني كلموهم بالمواعظ وغير المواعظ، (بِمَا يَعْرِفُونَ)؛ أي: بما يمكن أن يعرفوه وتبلغه عقولهم، وليس المعنى بما يعرفونه من قبل؛ لأن ما يعرفونه من قبل تحديثهم به؟
طالب: تحصيل حاصل.
الشيخ: تحصيل حاصل لا فائدة منه، لكن المراد (بِمَا يَعْرِفُونَ)؛ أي: بما تمكنهم معرفته وتبلغه عقولهم؛ حتى لا يَفْتَتنوا، ولهذا جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه: إنك لن تحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ، وهذا صحيح إذا حدثت أحدًا بما لا يبلغه عقله مفاجأة هكذا ربما ينفر، يكذب، ويكره هذا، ولهذا من الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل، من الحكمة ألَّا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه، بل تأتي بهم رويدًا رويدًا حتى تستقر عقولهم، ولهذا قال: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ)؛ أي: بما؟
طلبة: يمكنهم معرفته.
الشيخ: بما يمكنهم معرفته؛ حتى يقبلوا ذلك.
ثم قال: (أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟) الاستفهام هنا للإنكار؛ يعني: أتريدون إذا حدثتم الناس بما لا يعرفون أن يُكَذَّبَ الله ورسوله؟! كيف ذلك؟ لأنك إذا قلت لهم: قال الله كذا وكذا وهو مما لا يبلغه عقولهم، ويش يقولون؟
طالب: كذب.
الشيخ: يقولون: هذا كذب، ما يصير أن الله يقول: كذا، قال الرسول: كذا وكذا (...) ما يصير، فكل شيء لا تبلغه العقول فإنه يحتمل إذا حدثتهم به أن يكذبوا الله ورسوله، وهم يكذبون الله لأنهم ما علموا أن الله قاله، لكن يكذبونك بحديث تنسبه إلى الله ورسوله، فيكونون بذلك مكذبين لله ورسوله، لا مباشرةً ولكن بواسطتك أنت.
فإن قال قائل: إذن ما نحدث الناس إلا بما تبلغه عقولهم، والذي لا تبلغه ندع الحديث به؟
نقول: نعم، ندع الحديث به إلا عن طريقٍ تبلغه عقولهم، بحيث ننقلهم رويدًا رويدًا حتى يطمئنوا ويمكنهم أن يتقبلوا هذا الحديث، نحن لا ندع الأحاديث اللي ما تبلغها عقول العوام اللي يقولون: هذا الشيء استنكر ما نحن بقائلينه، أو مثل هذا أيضًا العمل بالسنة، هذا عمل استنكر ما نحن بعاملين به، لا، ما ندع السنة ولا ندع الخبر عن الله ورسوله، لكننا لا نباغت الناس بأمر؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا يعرفونه وينكرونه، فيكون لبعضهم فتنة، وإنما ننقلهم شيئًا فشيئًا.
ويستفاد من هذا الأثر: مهمة الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل، وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوين، وينزل كل إنسان منزلته، أحيانًا نحدث بعض طلبة العلم، نحدثهم بحديث طالب العلم يبلغه عقله ويعرفه يلقى على العامي اللي جامبك: ويش تقول؟ أتيت بحديث آخر يبلغه عقله؛ لأني لو أحدثه بحديث حدثت به طالب العلم الذي يدرك ويفهم لكان بالنسبة إليه ضررًا عليه وفتنة له. فلهذا من مهمات الداعية إلى الله عز وجل أن يكون على علم بأحوال الناس، وكيف يمكن أن يحدثوا بهذا الحديث أو لا يمكن.
طالب: طيب -مثلًا- السجود بعد السلام تستنكره عقول الناس.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لو صرت إمامًا، كيف أفعل لو صار..؟
الشيخ: هذا إذا فعلت هذا الشيء، فبمجرد ما تفعله تنبههم.
الطالب: بس ممكن يكذبونك، يقولون: ما صحيح، ولا جاء عن الرسول.
الشيخ: أنت إذا قلت.. لأن هذا بالحقيقة شيء ما يدركه العقل، ما هو معنًى صعب على العقل فهمه، هذا عبارة عمل نُقل من مكان إلى مكان، يستنكرونه، يظنونه ما صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو؛ لأن عقولهم لا تبلغه عقولهم، فأنت تقول: هذا أمر ثبت بالنص، وإذا شئتم اسألوا أهل العلم، إي نعم.
مناسبة هذا الباب لباب الصفات، هذا الأثر لباب الصفات مناسبته ظاهرة؛ لأن بعض الصفات لا تحتملها أفهام العامة، فيمكن إذا حدثتم بها صار لذلك أثر سيءٌ عليهم.
مثلًا: حديث النزول إلى السماء الدنيا مع ثبوت العلو، لو حدثت العامي بأنه ينزل بذاته إلى السماء الدنيا مع علوه على عرشه، وقلت: إن هذا ثابت وحق في الجميع، قد يكون العامي لا يفهم إلا أنه إذا نزل صارت السماوات؟
طالب: فوقه.
الشيخ: صارت السماوات فوقه، وصار العرش خاليًا منه، وحينئذ تقول: إن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: والعامي يكفيه أن يتصور مطلق المعنى، وأن يتصور أن المرد بهذا بيان فضل الله عز وجل في هذه الساعة من الليل، وبيان أنه عز وجل يدنو من عباده كما يشاء، ويقول هذا الكلام.
لكن لو تريد تفصله مثلما تفصل لطالب العلم ربما أنه لا يدرك هذا المعنى، أو يتصوره ويفهمه على خلاف المراد، فيكون بذلك هالكًا. فالمناسبة إذن واضحة.
قال: (وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه) (ابن طاوس) هذا اسمه عبد الله، (عن أبيه) طاوس، وهو من أصحاب ابن عباس، (عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكارًا لذلك) .
(رأى رجلًا انتفض) ويش هو الانتفاض؟ اهتزاز الجسم، والرجل هذا مبهم لم يبين. والصفة التي حُدث بها أيضًا لم تُبَيَّن. المهم ليس شخص الرجل، وليس عين الصفة التي حُدِّث بها، المهم الأثر الذي تركه هذا الحديث لما سمع انتفض، انتفض لا تعظيمًا للرب عز وجل، ولكن استنكارًا لهذا؛ يعني إنكارًا لهذه الصفة ما هو قابلها، وهذا أمر عظيم صعب؛ لأن الواجب على المرء إذا صح عنده شيء عن الله ورسوله، ويش الواجب عليه؟
طالب: أن يُسلم.
الشيخ: الإقرار به والتصديق، وألا ينكره، حتى لو ما سمعه، وحتى لو تصور أنه أمر عظيم، يجب عليه أن يقبل ويُسلِّم، ويكون طريقه طريق الراسخين في العلم.
يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (ما فَرَقَ هؤلاء) (ما فَرَقَ)، وفي رواية: (ما فَرَقُ)، وفي رواية: (ما فَرَّقَ هؤلاء).
أما على: (ما فَرَق) و(ما فَرَقُ)، على رواية الضم تكون (ما) استفهامية، و(فَرَقُ) بمعنى خوف؛ يعني: ما خوف هؤلاء من إثبات الصفة التي تُلِيَت عليهم وبُلِّغت، ليش يخافون؟ لماذا لا يثبتونها لله عز وجل كما أثبتها الله لنفسه أو أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام؟! وهذا ينصَبُّ تمامًا على أهل التعطيل والتحريف اللي ينكرون معنى اليد مثلًا يقولون: ما نثبت يدًا؛ لأن هذا تمثيل..